محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
46
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
ويُشهِرُونَ فضائحَهَ حتى يتواترَ ذلك ، والعادات جاريةٌ مستمرة بمثل هذا في كل زمان ، ولو جوَّزنا أن أحداً يُظْهِرُ في زمانهم مثلَ هذه الأكاذيب على الله ، وعلى رسوله ولا يتواتر عنهم مقابلتُه بما يستحقه مِن التنكيل والتكذيب ، لجوزنا أنَّه قد كان مِن غير أبي هريرة مثلُ ذلك من المستورين المقبولين ، ولم يُقَابلْ ذلك بشيء منهم البتة حتى خَفِيَ حالُهم على أهل الإسلام وإنما يُمْكِنُ وضعُ المثالب فيه ، وفي أمثاله بعدَ تطاولِ الزمان ، وتدريبِ مَنْ لم يعرف مناقبه قطُّ على بُغضه ونسبه ، ولذلك حَكَمَ نُقَّادُ علم هذا الشأن أن تعمُّدَ الوضعِ ما ظَهَرَ وَكَثُرَ إلاَّ في أيام بني العباس ، وذلك حين كَثُرَ الجَهْلُ ، وأمكن الغرورُ ، ثم أفادني مولانا الإمامُ المنصور بالله عليه السلام فائدةً جليلة ، وهو أنَّه عليه السلام وقف على معارضةٍ لما نقله الإسكافي ( 1 ) - إن صحَّ عنه ما تقدمَ - عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلامُ أنَّه أثنى على أبي هُريرة بالصدْقِ في الحديث ، ودفعَ عنه أو نحو ذلك ، وَقَفَ عليه مولانا عليه السلامُ في بعضِ كُتُبِ الرِّجال والتواريخ ، وإليه المنتهى سلامُ الله عليه في سَعَةِ الاطلاع ، والورعِ في الرواية ، والتثبت في النقل ، فالحمد لله رب العالمين . الوجه الثاني : أنَّهُ قد تواتر عن أبي هُريرة أنَّه كان أرفعَ حالاً من هذه المنزلة الخسيسةِ التي لا أَسْقَطَ منها ، فإِنَّه لو كان لوطيّاً ، أو مجمعاً للفساد وأهلِه ، لكان خيراً له من مرتبة الزندقة في الإسلام ، فإن تلك معصيةٌ لا تتعدى إلى غير صاحبها ، والحامِلُ عليها شِدَّةُ الشهوة ، والشَّبَقُ ، والخِسَّةُ ، وهذه
--> ( 1 ) هو محمد بن عبد الله الإسكافي البغدادي أبو جعفر أحد متكلمي المعتزلة ، وإليه تنسب الطائفة الإسكافية ، أصله من سمرقند ، أخذ الكلام عن أبي جعفر بن حرب ، وله مناظرات مع الكرابيسي وغيره . قال ابن النديم : كان عجيب الشأن في العلم والذكاء والصيانة ، ونبل الهمة والنزاهة بلغ في مقدار عمره ما لم يبلغه أحد ، وكان المعتصم يعظمه جداً . توفي سنة 240 ه " لسان الميزان " 5 / 221 .